الجمعة , يوليو 10 2020
الرئيسية / المدونة / مقالات وآراء / توقف عن ( العبث ) أثناء التداول

توقف عن ( العبث ) أثناء التداول

إذا كنت تقرأ هذا المقال فالإحتمال الاكبر أنك مضارب في الأسواق المالية.. وإذا كنت مضارب في الأسواق المالية فالإحتمال الاكبر أنك تقوم بتنفيذ صفقات بشكل يومي.. وإذا كنت كذلك بالفعل – وهذا هو المتوقع – فهناك احتمال كبير جداً أنك تقوم بممارسات غريبة وغير مفهومة أثناء تنفيذ هذه الصفقات التي ترغب بالطبع من تحقيق عائد مادي مجزي من خلال تنفيذها.

هذه الممارسات الغريبة مستمرة معك منذ أول صفقة قمت بتنفيذها في السوق حتى يومنا هذا.. قد تكون واعي لتلك التصرفات أو أنك تقوم بعملها بشكل طبيعي وغير واعي ولا تشعر بتأثيرها عليك.. ولو أن هذه التصرفات لم تكن لتحمل أية عواقب وخيمة عليك وكارثية ربما لما قمت بإفراد هذا المقال للحديث عنها.. ولأن من أول طرق التغيير للعادات التي نقوم بها بدون وعي هو إدراكنا لممارسة هذه العادات فلذلك سنقوم بذكرها مع تأثيرها السلبي على أدائك في السوق وكيف يمكنك إن شاء الله التخلص معها مع الوقت.

وأولى هذه الممارسات العبثية والذي يأتي على رأس القائمة بالتأكيد هو محاولة معرفة نتيجة الصفقة وقت التنفيذ!!

معرفة النتيجة قبل حدوثها:

هذه العادة السلبية – والفطرية داخلنا – هي سبب رئيسي وراء التردد الكبير الذي يصاحبنا عندما يحين الوقت لتنفيذ صفقة جديدة.. دعني أسألك هذا السؤال بشكل مباشر وحاول تذكر ماحدث معك بالضبط في آخر صفقة قمت بتنفيذها في السوق.. عندما قمت بمشاهدة الإشارة الفنية واضحة على الشارت أمامك وقمت بعزم النية على تفعيل الصفقة.. مالذي حدث بين وقت إتخاذ القرار ووقت الضغط على الشراء بالفعل؟ هل بدأ عقلك برحلة للمستقبل وتخيل كيف سيتحرك السعر بعد تنفيذ الصفقة؟ إذا كان هذا ما حدث فهناك اكثر من سيناريو لهذه الرحلة الخيالية وستكون على الشكل التالي:

الخيال بأن السعر سيتحرك نحو الهدف مباشرة: في هذا السيناريو سيقوم عقلك برسم حركة سريعة للشموع وهي تتحرك مباشرة وبخط مستقيم نحو الهدف.. هل تعلم بأن المتداول يشعر بنشوة حقيقية احياناً وقت تنفيذ الصفقة تشبه حصوله على هذه الأرباح بالفعل.. العقل اللا واعي لا يستطيع أن يميز بين الحقيقة والخيال عندما نسرح في احلام اليقظة ولذلك قد نشعر بخوف حقيقي لأننا نعتقد احياناً بأن هناك خطر على حياتنا او اموالنا او مستقبلنا لمجرد فكرة قمت بتغذيتها داخل عقلك وبالمقابل قد نشعر براحة وسعادة عندما نقوم بالتفكير بأمور رائعة تحدث لنا الآن ولكنا نمر بهذه المراحل ربما بشكل يومي حتى.

عندما تقوم برسم صورة للسعر وهو يتحرك نحو الهدف قبل التنفيذ ستكون النتائج الفعلية لحركة السعر مربكة لك بشكل كبير بعد التنفيذ.. استباق الواقع بخيال وردي قد يتم نسفه بعنف اذا ما خالف الواقع هذا الخيال.. وبشكل آلي سنقف عاجزين عن إدارة هذه الصفقات ونحن بهذه الحالة النفسية المتهالكة.

الخيال بأن السعر سيتحرك عكس الهدف مباشرة: هذه الحالة معاكسة للأولى وهي تشكل شرود للعقل نحو حركة سلبية للسعر بعد التنفيذ.. بالطبع أولى مخاطر هذه الخواطر السلبية هي حالة تردد واضحة في الأداء قد تصل بالمتداول لحد الجمود.. أو ربما الدخول متأخراً بعد أن يتحرك السعر نحو الهدف ولكن بعد خسارة نقاط كثيرة كان من الممكن تحصيلها لولا تأجيل الدخول بعد ظهور الإشارة الفنية مباشرة.

السيناريو الثاني يتكرر بشكل اكبر بكثير من السيناريو الأول وذلك بسبب تركيبة عقولنا وتفكيرنا الأولي بأسوأ النتائج وتوقعها دائماً عندما نعزم على إتخاذ خطوة ما.. قد تنتبه لهذه الخيالات عند المتداولين الذين يقومون بترديد عبارة ( حظي وأعرفه أول ما اشتري بالسهم راح ينزل نسبة تحت!! ).

الحل: 

طبعاً لا يوجد حل سحري أو وصفة جاهزة لذلك لأننا نقوم بتخيل نتيجة الصفقة بدون وعي ولكن يمكن الإنتباه إلى حديث العقل (الحديث الداخلي داخل رأس المتداول) عندما يعقد النية على تنفيذ الصفقة.. عندما ينتبه إلى أن عقله قد سافر به برحلة سريعة للمستقبل وعاد إليه بتخيلات ايجابية او سلبية عن نتيجة الصفقة لابد أن يقوم بالتركيز على الحاضر فقط.. محاولة المقاومة وعدم التفكير في هذه الفكرة نفسها لا يعتبر حل صحي لهذا الأمر لأن الموضوع بأكمله يدور داخل عقل المتداول.. ولكن بإمكانك ترديد عبارة مثل ( الإشارة الفنية واضحة أمامي وهي تحت سيطرتي وسأقوم بتنفيذ الصفقة الآن.. ما سيحدث لاحقاً لن اكون بأي شكل من الأشكال قادر على معرفته الآن وهو أمر ليس تحت سيطرتي ، سأقوم بأداء واجبي بتنفيذ الصفقة بعد ظهور الإشارة وهذا يكفيني في الوقت الحاضر ).

هل تعلم بأن هذه العبارة السابقة صحيحة تماماً ولا غبار عليها.. أنت وانا وكل المتداولين لن يستطيعوا أبداً ومهما توفر لهم من قوة في التحليل الأساسي أو الفني او الاخبار القوية عن حركة السعر القادمة أو المؤشرات والمعادلات الرياضية المعقدة التي يستخدمونها من معرفة ما سيحدث مستقبلاً في السوق.. تركيزك – قدر الإمكان – على الحاضر فقط هو بدون أي شك افضل خطوة يمكن أن تكافئ نفسك بها وتحمي نفسك من خيالات واوهام لا طائل منها.. الأمر صعب التنفيذ بعض الشئ ولكن بتكرار ذلك مع صفقاتك اليومية سيجعل هذا الأمر ( الجديد ) عادة يومية لك وستقوم بشكل آلي بإستبدال عاداتك القديمة من تلقاء نفسها.

ربط الصفقة الحالية بصفقات سابقة:

هذا الأمر يعتبر كارثة حقيقية تواجه جميع المتداولين بلا استثناء.. هل لاحظت أنك تكون اكثر مغامرة وجاهزية لتنفيذ صفقة جديدة عندما تكون آخر صفقة قمت بإغلاقها ايجابية ورابحة وتقوم بالتردد بتنفيذ صفقة جديدة عندما تكون صفقاتك الاخيرة خاسرة ومأساوية.. هذا التأثير معروف تماماً في علم النفس ويطلق عليه اسم Recent Effect وهي حالة تحكم على قراراتنا الحالية بناءاً على نتائج سابقة قريبة.. هل انتبهت الى نفسك في السابق عندما اصابك بالجمود من تنفيذ صفقة جاهزة امامك بعدما تذكرت – فجأة – كيف انتهت صفقتك السابقة بخسارة؟ هذا هو التأثير السلبي لربط ما يحدث ( حالياً ) مع ما حدث ( سابقاً ).

الحل:

قم منذ اليوم بتعليم نفسك هذه المعلومة الحقيقية والصحيحة تماماً والتي لا تقبل الشك أو التحقيق.. ( كل صفقة تقوم بتنفيذها لا علاقة لها أبداً بأية صفقة سابقة قمت بتنفيذها أو أية صفقة قادمة ستقوم بتنفيذها ) دعنا نلعب هذه اللعبة سوياً لنرى النتيجة ونضيف بعض المتعة لهذا المقال.. إتفقنا

تخيل معي اننا قررنا انا وانت ان نلعب لعبة رمي العملة المعدنية.. إذا ظهر الوجه في العملة فسأكون أنا الرابح واذا ظهر الرسم تكون انت الرابح..

 

لو سألتك قبل أن نبدأ كم نسبة ربحي انا مقابل ربحك انت فسيكون ردك الجاهز هو 50/50 وهذا صحيح تماماً.. لنلعب إذاً:

في المرة الأولى قمت انا بالربح وظهر الوجه.. لو سألتك الآن أن نلعب مجدداً ووافقت وسألتك عن النسبة الجديدة للرمية الثانية فقد تتغير اجابتك إلى 40% لصالحي و 60% لصالحك من مبدأ أنني ربحت الرمية الأولى.. قمنا برمي العملة المعدنية وكانت النتيجة ( ياللمفاجأة ) لقد ربحت أنا مجدداً 🙂

الآن سنقوم برمي العملة للمرة الثالثة وقمت بسؤالك عن توقعاتك للرمية الجديدة فأجبت بأنك تتوقع أن اربح انا بنسبة 30% وانت بنسبة 70% وهذا من مبدأ أنني مستحيل ان اربح ثلاث مرات متتالية.. قمنا بالرمي وللمرة الثالثة ربحت انا ( يعني انا كاتب المقال لازم اربح ) وعندها شعرت انت بشئ غريب وغير مفهوم.

السؤال الآن.. لو سألتك عن توقعاتك للرمية الرابعة فقد تجيب بأنني قد اربح بنسبة 100% ( لأني محظوظ ) او انك ستربح انت بنسبة 100% ( لأن مستحيل اي شخص يربح على طول ).. قبل أن نفحص ما حدث دعني أذكرك بأنك قمت بتغيير نسبة توقعاتك مع كل نتيجة جديدة.. ولكن المفاجأة لك هي أن النسبة مازالت 50/50 حتى بعد الرمية الألف وبغض النظر عن نتائج هذه الرميات جميعاً.

وهذه هي نفس العقلية التي يجب ان تحملها معك عند التداول.. يجب عليك دائماً وضع نسبة 50/50 مع كل صفقة جديدة بغض النظر عن حالتك النفسية وقت التداول وبغض النظر ايضاً عن نتائج صفقاتك السابقة.. كل صفقة في السوق هي صفقة فريدة من نوعها لم تحدث سابقاً ولن تحدث لاحقاً.. ولو أن الموضوع لن يستغرق شرح طويل عن هذه الجزئية لتعمقت فيه اكثر ولكن سيطول الحديث.. أتمنى ان تكون الفكرة قد وصلتك بالفعل من هذا المثال البسيط.. لذلك تذكر عندما يحين الوقت لتنقيذ صفقة قادمة ويسرح خيالك في نتائج صفقاتك السابقة بأنك قد قمت بجلب أمور داخلية لا علاقة لها بما يحدث الآن.. ركز على الصفقة التي أمامك ولا تشغل نفسك كثيراً بما حدث سابقاً.. هذا لا يعني بالطبع عدم التطوير والتحسين وتلافي الأخطاء بصفقاتك السابقة ولكن فقط عدم الإنشغال بالنتائج فقط وتأثيرها السلبي على قراراتك الحالية.

محاولة تأكيد وجهة النظر الأولية لحركة السعر:

هبط السعر لهذا السهم من مستوى 50 ريال الى 20 ريال وبالتأكيد وصل السعر إلى مرحلة سيرتد منها ايجابياً للأعلى.. تخيل معي أن هذه هي أول فكرة واجهتك عندما قمت بتحليل السهم الذي أمامك الآن.. ما سيقوم به الكثير هو محاولة جلب كل ما يمكن الحصول عليه لتأكيد وجهة النظر هذه.. قد يشمل هذا الأمر البحث عن أخبار ايجابية للشركة وبأنها ستنطلق للأعلى بعد هذا الهبوط القوي.. قد تقوم بإستخدام مؤشرات فنية عدة تؤكد بأن السعر الآن في مرحلة تشبع بيع Oversold أو أن تقوم بسؤال اشخاص تعلم بأن وجهة نظرهم تطابق وجهة نظرك في ارتداد ايجابي متوقع على السهم.

الحل:

هذا التأثير معروف ايضاً في علم النفس ويطلق عليه Confirmation Bias وهو محاولة لإيجاد – كل ما يلزم – لتأكيد وجهة نظرنا الأولية.. لو كنا نكره شخص معين فسنقوم بشتى الطرق بإستحضار كل عيوبه في خاطرنا لتأكيد كرهنا لهذا الشخص ولو كنا نحب شخصاً بعينه فسنلتمس له كل أعذار الدنيا عندما يقوم بعمل أمر شائن وغريب.

في أسواق المال يعتبر تأكيد وجهة النظر مخاطرة عالية على محفظتك الإستثمارية.. حاول في المرة القادمة عندما تشعر بأن السعر لا بد له من إرتداد ايجابي حالي أن تقوم بفحص ما يناقض ذلك بدلاً من البحث عن ما يدعم ذلك.. على سبيل المثال عندما يهبط هذا السهم من سعر 50 ريال الى سعر 20 ريال وتجد أن عقلك يطالبك بالشراء قم بفحص ما يناقض ذلك مثل أن السعر مازال في ترند هابط ولم تظهر علامات ارتداد بعد.. أو أنه لا يظهر أي إشارات تجميع على السهم.. أو أنه لا توجد أية أخبار ايجابية متوقعة على السهم في الوقت الحالي.. هذا التمرين ليس الهدف منه زيادة ترددك ولكن لكي تفحص كل الأمور بحيادية كاملة ولا تكون تحت تأثير تأكيد وجهة النظر الأولية.. بالطبع لو وجدت أنه لا يوجد ما يناقض فكرتك الأولية عن شراء السهم فستقوم بتفعيل الصفقة وانت اكثر اطمئنان بأنك قمت بتحليل كل ما تستطيع بشكل محايد وصحيح.

الختام:

أتمنى أن اكون قد استطعت من ذكر بعض الممارسات العبثية التي نقوم بترديدها بشكل يومي اثناء التداول وكيف اننا نقوم بأنفسنا بتدمير تحليلاتنا لحركة السعر بدون أن يقوم السوق نفسه بعمل ذلك.. مراقبة افكارك الداخلية تعتبر حجر أساس لصفقات اكثر حيادية وموضوعية في ظل حركات السعر العشوائية.

بالمناسبة.. لو وجدت أن عقلك بدأ يروج لفكرة بأنك لن تكون قادر على ضبط نفسك بعد قرائتك لما سبق فهذا أمر طبيعي.. قم بالمحاولة على تحسين ذلك على أية حال.

عن فيصل السوادي

فيصل السوادي ، محلل فني معتمد CFTe وعضو بالجمعية العالمية للتحليل الفني IFTA Organization مدرب ومحاضر لاستيراتيجيات السلوك السعري والفوركس ، قدمت العديد من الدورات الحضورية في الرياض وجده والخبر بالإضافة الى دورات اون لاين عن بعد. كاتب اسبوعي في الصحف المحلية وضيف على القنوات الإذاعية و المرئية ، مهووس بالتحليل الفني وملتزم بإستيراتيجية واحدة تسمى برايس اكشن ، للمزيد من المعلومات اضغط هنا وللتفاصيل حول الدورة التدريبية الجديدة (التداول بدون وقف خسارة) ومشاهدة محاضرات مجانية منها قم بزيارة موقعي الجديد www.faisal-alsawadi.com

شاهد أيضاً

تعرف على ميزة التداول بالأسهم والعملات والاوبشن

بالرغم من اختلاف مدارس التحليل الفني وتفرعها وتشعبها بشكل كبير يبقى اختيار السوق المناسب لك …

1
اترك تعليق

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
حسين النوبي عويس Recent comment authors
  Subscribe  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
حسين النوبي عويس
ضيف
حسين النوبي عويس

مقال رائع وجميل
مشكور علي المجهود الطيب
جزاك الله كل خير

قم بالإطلاع على الدورة التدريبية الجديدة (التداول بدون وقف خسارة)على هذا الرابط